بين القرآن وهملت: كيف هز الشيخ سلامة حجازي صورة الفن والدين معًا

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت مصر تعيش مخاضًا حضاريًا وثقافيًا جديدًا، القاهرة والإسكندرية أصبحتا مسرحًا للقاء بين الشرق والغرب، تزدحم شوارعهما بالمسارح الأجنبية، وتدور النقاشات حول هوية الفن ودوره في بناء المجتمع، وفي خضم هذه اللحظة التاريخية ظهر اسم سيغير مسار الغناء والمسرح معًا: الشيخ سلامة حجازي.

 

خاض الشيخ سلامة حجازي تجربة فنية غير مسبوقة، إذ انتقل من أجواء الموالد والمآذن إلى أضواء خشبة المسرح، لم يتخل عن عمامته الأزهرية ولا جبته، بل صعد بهما إلى الخشبة ليعلن ميلاد فن جديد لم تعرفه مصر من قبل: المسرح الغنائي العربي، ذلك المزج الفريد بين وقار الشيخ وجرأة الفنان جعله يفتح الباب أمام أجيال كاملة من المطربين والمسرحيين، حتى أصبح بحق رائد المسرح الغنائي وأحد أبرز وجوه النهضة الفنية في مطلع القرن العشرين، بدأ مسيرته قارئًا للقرآن ومنشدًا صوفيًا في حلقات الذكر والمناسبات الدينية، ثم تحول إلى مطرب وممثل مسرحي يجسد الشخصيات الأدبية والتاريخية على خشبة المسرح، وبين المحراب والخشبة كتب سلامة حجازي سيرة استثنائية جمعت بين التدين والفن، وأثبتت أن الصوت الواحد قد يحمل رسالته من المئذنة إلى المسرح الكبير.

 

ولد الشيخ سلامة حجازي عام 1852 في حي رأس التين بالإسكندرية، ذلك الحي المطل على البحر، والذي كان آنذاك ملتقى لأبناء المدينة من الصيادين والتجار والبحارة، نشأ في بيئة شعبية تميل إلى التدين والإنشاد الديني، وكان منذ صغره مولعًا بالقرآن الكريم وصوت المقرئين الذين يملؤون المساجد والزوايا.

 

حفظ سلامة القرآن الكريم وأتقن التلاوة، ثم أصبح منشدًا في حلقات الذكر والموالد، امتاز صوته بصفاء نادر وقوة مؤثرة جعلت الحضور ينصتون إليه بخشوع، حتى أطلق عليه لقب “بلبل الإنشاد”، لم يكن مجرد منشد يردد الأذكار، بل كان يدخل إلى أدائه روحًا صوفية عميقة تمزج بين التجويد القرآني واللحن الشعبي، مما أكسبه قاعدة جماهيرية واسعة.

 

من عمامة الأزهر إلى أضواء المسرح الغنائي

 

التحول في حياة الشيخ سلامة كان أشبه بالزلزال الثقافي، في وقت كان المسرح ينظر إليه بعين الريبة من الطبقات المحافظة، قرر الشيخ أن يخوض التجربة، لم يتخل عن عمامته الأزهرية ولا جبته، بل صعد بها إلى خشبة المسرح، ليكون أول من يمزج بين وقار الشيخ وجرأة الفنان.

 

انضم إلى فرقة المسرح العربي التي كانت تبحث عن أصوات قوية لإحياء المسرحيات الغنائية، سرعان ما لفت الأنظار، لأنه لم يكن مجرد مطرب يؤدي دورًا، بل كان ممثلًا يسكب في الشخصية روحًا درامية، كان صوته الذي اعتاد الناس سماعه في الموالد يتردد الآن في قاعات المسرح وهو ينشد أدوارًا من “روميو وجولييت” و”هملت”، هذا الانتقال غير المسبوق أذهل الجمهور: شيخ يقرأ القرآن بالأمس، ويقف اليوم مجسدًا شخصية الأمير الدنماركي في مسرحية شكسبيرية.

 

حين صنع الشيخ مسرحًا يغني

سلامة حجازي لم يكن مجرد ممثل يجيد الغناء، بل مؤسس مدرسة كاملة، كان يؤمن أن المسرح العربي لا بد أن يكون له شكل خاص، يمزج بين الغناء الشرقي والأداء الدرامي، ولهذا كان يقوم بتلحين الأدوار الغنائية بنفسه، فيقدم مزيجًا من المقامات الشرقية والتقاسيم الروحانية، مما جعل المسرحية الغنائية المصرية تولد على يديه.

 

من أبرز أعماله المسرحية:

 

هملت: حيث أدهش الجمهور بأداء مأساوي مؤثر.

روميو وجولييت: التي عرفت الناس على الأدب الغربي بلسان عربي وصوت شرقي.

صلاح الدين: التي ربطت بين البطولة التاريخية والروح الوطنية.

أنس الجليس: التي أبرزت الطابع الشرقي في الحكاية والغناء.

 

كان سلامة يفتتح العرض بمقدمة إنشادية أقرب إلى التواشيح، ليهيئ الجمهور روحانيًا، ثم ينطلق بالغناء والتمثيل في انسجام فريد، هكذا صار المسرح عنده امتدادًا للمحراب، لكن محرابًا واسعًا يحتضن الأمة كلها.

 

الجدل المجتمعي

 

شيئًا فشيئًا، أصبح اسم الشيخ سلامة حجازي رمزًا للمسرح الغنائي الوليد، لم يعد مجرد شيخ منشد أو مطرب تقليدي، بل صار أيقونة لمرحلة كاملة من النهضة الفنية، وحين سافر بفرقته إلى بيروت عام 1906 ثم إلى دمشق عام 1909، اصطحب معه هذا اللون الفني الجديد، ليلقى نجاحًا هائلًا جعل الجمهور في الشام يهتف باسمه.

 

ولم يكن المرض ليوقفه، فعلى الرغم من إصابته بشلل نصفي عام 1909 وابتعاده عن المسرح فترة، فإنه عاد بقوة عام 1911 ليستكمل مسيرته، وفي زيارته لبيروت، حين خشي أن الجمهور لا يعرفه، صعد إلى المئذنة وأذن للصلاة في المسجد الكبير، لم تمضِ ساعات حتى تدفق الناس على المسرح، وقد أسرتهم نبراته الممزوجة بالخشوع والطرب، ليكتشفوا على الخشبة شخصية صلاح الدين الأيوبي بتمثيل الشيخ سلامة وصوته، كان هذا الموقف ذروة التقاء عالميه: عالم الإنشاد الديني وعالم المسرح الغنائي.

سلامة حجازي نجح في أن يكسر الحاجز النفسي بين “الفن” و”الدين”، لم ير في الفن خطيئة، بل رسالة أخلاقية وتربوية، كان حريصًا على أن تكون موضوعات مسرحياته هادفة، تدعو إلى الفضيلة وتبث روح الوطنية، بذلك كسب احترام حتى خصومه، وأصبح ينظر إليه كرائد لا يمكن إنكار أثره.

 

إشادة المفكرين والفنانين بالشيخ سلامة حجازي

 

لم يكن الشيخ سلامة حجازي مجرد مطرب أو ممثل ظهر على مسرح القاهرة في مطلع القرن العشرين، بل كان حالة استثنائية لفتت انتباه معاصريه من أدباء ومفكرين وموسيقيين وصحفيين، وأثارت إعجاب الجمهور والنقاد معًا، لقد وجد فيه الناس صورة فريدة تجمع بين وقار العمامة الأزهرية على خشبة المسرح وبين صوت يحمل مزيجًا من الروحانية والدراما، وهو ما جعل إشادة عصره به تأتي من اتجاهات متعددة.

 

فمن ناحية الأدباء والمفكرين، خصه جرجي زيدان بكتابات في مجلة الهلال، ورأى فيه نقلة نوعية في تاريخ المسرح العربي، لأنه لم يكتفي بالأداء التمثيلي، بل أدخل الغناء الشرقي الأصيل في سياق الدراما، فخلق لونًا جديدًا لم يكن مألوفًا من قبل، أما يعقوب صروف، صاحب مجلة المقتطف، فقد وصف صوته بأنه “صوت يلامس الروح قبل أن يصل إلى الأذن”، وهو تعبير يلخص الأثر العميق الذي تركه أداؤه في نفوس سامعيه.

 

وعلى مستوى المسرحيين، كان أبو خليل القباني، رائد المسرح الشامي، من أوائل الذين أعجبوا بموهبة الشيخ سلامة حجازي عندما التحق بفرقته في القاهرة، وقد صرح القباني بأن وجود الشيخ سلامة على الخشبة منح العرض مهابة لم يكن المسرح يعرفها من قبل، إذ بدا وكأن المسرح أصبح أكثر رقيًا واحترامًا بفضل وقار الشيخ وصوته المؤثر.

 

أما الموسيقيون، فقد كان إعجابهم بالشيخ لا يقل عمقًا، فالشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب كان يثني على صوته وأدائه، ويرى فيه امتدادًا طبيعيًا لكبار المطربين في مصر، بل وخليفة محتملًا للجيل السابق، وحتى عبده الحامولي، الذي كان في ذلك الوقت نجم الغناء الأول في مصر، لم يتردد في الاعتراف بموهبته وقيمته، وهو أمر لم يكن شائعًا بين نجوم الطرب الذين عادة ما يهابون المنافسة.

 

ولم يكن النقاد وحدهم من أعطوه مكانة خاصة، بل الجمهور أيضًا وجد في الشيخ سلامة وجهًا مختلفًا للفن، فقد رأوا فيه مطربًا وممثلًا لم يتخل عن عمامته أو جبته وهو على خشبة المسرح، مما جعل صورته أكثر قبولًا واحترامًا لدى الفئات المحافظة التي كانت تتحفظ على فكرة التمثيل والغناء، لقد أحاطه الجمهور بهالة من التقدير لأنه جسد، في نظرهم، فنًا راقيًا يجمع بين الالتزام الديني والإبداع الفني.

 

كما لعبت الصحافة دورًا مهمًا في نشر سيرته والإشادة بأعماله، حيث خصصت جرائد مثل الأهرام والمقطم مقالات مطولة عن عروضه، ووصفت صوته بـ”المؤذن الذي صار مطربًا للمسرح”، وأكدت أنه نقل الغناء المصري إلى مرحلة جديدة، حيث لم يعد الغناء مجرد طرب للمتعة، بل جزءًا أصيلًا من العمل المسرحي.

 

ولعل أهم ما يظهر قيمة الشيخ سلامة حجازي هو ما قاله عنه سيد درويش لاحقًا، فقد اعترف “أب الغناء الحديث” أن بداياته المسرحية لم تكن لتكون لولا الطريق الذي فتحه سلامة حجازي من قبله، بهذا الاعتراف يصبح سلامة حجازي هو الحلقة الأولى التي مهدت لميلاد مدرسة الغناء الدرامي في مصر.

 

لقد أجمع الأدباء والمسرحيون والموسيقيون والجمهور والصحافة على أن الشيخ سلامة حجازي لم يكن مجرد صوت جميل، بل مؤسسًا لمدرسة متكاملة، ووجهًا أصيلًا للنهضة الفنية في مصر، وهو ما يجعل ذكراه حية حتى اليوم في تاريخ المسرح والغناء العربي.

 

تأثيره على الأجيال التالية

 

فتح سلامة حجازي الباب واسعًا أمام جيل جديد من المبدعين، جاء بعده سيد درويش الذي استفاد من أسلوبه في إدخال الغناء إلى المسرح، ثم تبعه محمد عبد الوهاب الذي طور المدرسة وجعلها أكثر حداثة، كل هؤلاء ينتمون إلى الجذر الذي غرسه الشيخ الفنان.

 

حتى في السينما الغنائية المصرية التي ظهرت لاحقًا، ظل أثره حاضرًا، فكرة أن البطل يمكن أن يغني ويمثل في آنٍ واحد هي ميراث مباشر من تجربة سلامة حجازي.

 

السر الحقيقي في سلامة لم يكن فقط في جرأته، بل في صوته الاستثنائي، كان قادرًا على الانتقال من التلاوة القرآنية إلى الغناء المسرحي بسلاسة عجيبة، يحتفظ بخشوع المقام القرآني، ثم ينفجر طربًا في مقام البياتي أو السيكا، هذا المزيج جعل الجمهور يشعر أنه أمام تجربة فنية وروحية في الوقت ذاته.

 

رغم النجاح الكبير، لم تخل حياة الشيخ من الصعوبات، تعرض لمرض أقعده فترة طويلة، لكنه أصر على العودة إلى المسرح حتى آخر أيامه، ظل مخلصًا لفنه حتى وفاته في 4 أكتوبر 1917، تاركًا وراءه تراثًا لا ينسى.

 

سلامة حجازي هو التجسيد الحي لفكرة أن الفن يمكن أن يكون امتدادًا للدين لا نقيضًا له، لقد بقي محتفظًا بعمامته الأزهرية فوق المسرح، كأنه يقول للناس إن الفن الشريف لا يسقط هيبة صاحبه، بل يضاعفها.

 

كان في شخصيته هذا التناقض الجميل: شيخ يقرأ القرآن في الصباح، وفنان يغني على المسرح في المساء، هذا التناقض لم يكن ضعفًا، بل قوة صنعت منه أيقونة فريدة في تاريخ الفن المصري.

 

ما تركه الشيخ سلامة حجازي لا يقاس فقط بعدد المسرحيات التي قدمها أو الأدوار التي لعبها، بل في كونه أول من أقنع المجتمع بأن الفن رسالة، لقد وضع الأساس الذي سار عليه المسرح الغنائي المصري كله.

 

حتى اليوم، لا يمكن أن ندرس تاريخ المسرح أو الغناء من دون أن نقف طويلًا أمامه، هو الجسر الذي عبرت من خلاله الموسيقى المصرية من حلقات الذكر والإنشاد الشعبي إلى خشبة المسرح الكبير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى